أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
491
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَالْمُحْصَناتُ في رفعه أيضا وجهان ، أحدهما : أنه مبتدأ خبره محذوف أي : المحصنات حلّ لكم أيضا ، وهذا هو الظاهر . واختار أبو البقاء أن يكون معطوفا على « الطَّيِّباتُ » فإنه قال : « مِنَ الْمُؤْمِناتِ » حال من الضمير في « الْمُحْصَناتُ » أو من نفس « الْمُحْصَناتُ » إذا عطفتها على « الطَّيِّباتُ » ، و « حِلٌّ » : مصدر بمعنى الحلال فلذلك لم يؤنّث ولم يثنّ ولم يجمع ، لأنه أحسن الاستعمالين في المصادر الواقعة صفة للأعيان ، ويقال في الاتباع : « حلّ بلّ » وهو كقولهم : « حسن بسن » ، و « عطشان نطشان » . و « مِنَ الْمُؤْمِناتِ » حال كما تقدم : إمّا من الضمير في « الْمُحْصَناتُ » أو من « الْمُحْصَناتُ » . وقد تقدّم الكلام في اشتقاق هذه اللفظة واختلاف القرّاء فيها في سورة النساء « 1 » . قوله : إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ ظرف العامل فيه أحد شيئين : إمّا « أُحِلَّ » وإمّا « حِلٌّ » المحذوف على حسب ما قرّر . والجملة بعده في محلّ خفض بإضافته إليها ، وهي هنا لمجرد الظرفية . ويجوز أن تكون شرطية وجوابها محذوف ، أي : إذا آتيتموهن أجورهن حللن لكم ، والأول أظهر . و « مُحْصِنِينَ » حال ، وعاملها أحد ثلاثة أشياء : إمّا « آتَيْتُمُوهُنَّ » ، وصاحب الحال الضمير المرفوع ، وإمّا « أُحِلَّ » المبني للمفعول ، وإمّا « حِلٌّ » المحذوف كما تقدم . و « غَيْرَ » يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن ينتصب على أنه نعت ل « مُحْصِنِينَ » . والثاني : أنه يجوز نصبه على الحال ، وصاحب الحال الضمير المستتر في « مُحْصِنِينَ » . والثالث : أنه حال من فاعل « آتَيْتُمُوهُنَّ » على أنها حال ثانية منه ، وذلك عند من يجوّز ذلك . وقوله : « وَلا مُتَّخِذِي » يجوز فيه الجر على أنه عطف على « مُسافِحِينَ » ، وزيدت « لا » تأكيدا للنفي المفهوم من « غَيْرَ » ، والنصب على أنه عطف على « غَيْرَ » باعتبار أوجهها الثلاثة ، ولا يجوز عطفه على « مُحْصِنِينَ » لأنه مقترن ب « لا » المؤكدة للنفي المتقدم ولا نفي مع « مُحْصِنِينَ » . وتقدّم معاني هذه الألفاظ . وقوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ تقدّم له نظائر . وقيل : المراد بالإيمان المؤمن به ، فهو مصدر واقع موقع المفعول ك « درهم ضرب الأمير » وقيل : ثمّ مضاف محذوف أي : بموجب الإيمان وهو الباري تبارك وتعالى . : وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الظاهر أنّ الخبر قوله : « مِنَ الْخاسِرِينَ » فيتعلّق قوله « فِي الْآخِرَةِ » بما تعلّق به هذا الخبر . وقال مكي « العامل في الظرف محذوف تقديره : « وهو خاسر في الآخرة » ودلّ على المحذوف قوله : « مِنَ الْخاسِرِينَ » . فإن جعلت الألف واللام في « الْخاسِرِينَ » ليستا بمعنى الذين جاز أن يكون العامل في الظرف « مِنَ الْخاسِرِينَ » . يعني أنه لو كانت موصولة لامتنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها ، لأنّ الموصول لا يتقدم عليه ما فيه حيّزه ، وهذا كما قالوا في قوله : إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ « 2 » وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ « 3 » ، وتقدير مكي متعلّق هذا الظرف وهو « خاسر » إنما هو بناء على كون « أل » موصولة بدليل قوله : « فإن جعلت الألف واللام ليستا بمعنى « الَّذِينَ » ، وبالجملة فلا حاجة إلى هذا التقدير ، بل العامل فيه كما تقدم العامل في الظرف الواقع خبرا وهو الكون المطلق ، ولا يجوز أن يكون « فِي الْآخِرَةِ » هو الخبر ، و « مِنَ الْخاسِرِينَ » متعلّق بما تعلّق به لأنه لا
--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 24 ) . ( 2 ) سورة الشعراء ، الآية ( 168 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، الآية ( 20 ) .